د. أنطوان مسرّه – نداء الوطن
لا يوجد في الخطاب اللبناني وكتابات موصوفة بالعلمية مصطلحًا أكثر غموضًا والتباسًا وضبابية كمفهوم الدولة! إنه يمتزج غالبًا في الإدراك الجماعي، حتى في كليات القانون ولا نقول الحقوق، مع مفهوم النظام ومفهوم المؤسسات. وتسري الضبابية بشكل عام في ذهنية عربية. لا توصف الدولة إلا بذاتها in se، في وظائفها السيادية الأربعة: احتكار القوة المنظمة، واحتكار العلاقات الدبلوماسية، وإدارة المال العام من خلال فرض الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة.
1. تاريخ الدولة اللبنانية: أي تأريخ للدولة اللبنانية ومثاقفتها لبنانيًا؟ الدولة في لبنان غائبة لدى كل المؤرخين في حين أن الوثائق متوفرة بكثافة بفضل هؤلاء المؤرخين بالذات. يتم تأريخ الدولة في أنتروبولوجيا التاريخ والقانون من خلال جدلية المركز والأطراف centre et périphérie، أي في سياق انضمام إمارات وإقطاعيات وقبائل وزعامات… إلى الدولة في مركزيتها ووحدانيتها. أما الدسترة فتحصل في مرحلة لاحقة، غالبًا بعد سنوات وقرون، في سبيل خضوع الدولة للدستور. يندرج تاريخ الدولة في لبنان في المراحل الست التالية:
– سعي الأمير فخر الدين وتصميمه في امتداد الإمارة جغرافيًا لأهداف متعلقة بالأمن، وليس كما يتم وصفه غالبًا بهدف السيطرة الشخصية والهيمنة والنفوذ والتسلّط.
– إن إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920 هو تأسيسي للدولة اللبنانية، إذ لم يكن لبنان سابقًا دولة بل خاضعًا للدولة العثمانية. كان لبنان سابقًا كيانًا جغرافيًا وبشريًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. يهمل غالبًا كثيرين ذكر “دولة” في إعلان “دولة” لبنان الكبير.
– وثيقة كاظم الصلح بعد مؤتمر الساحل: “بين الاتصال والانفصال” سنة 1936، حيث تأكيد تفصيلي على مبررات وضرورات الانضمام العام إلى الدولة اللبنانية.
– ميثاق 1943 واستقلال 22/11/1943 في انضمام جميع اللبنانيين إلى الدولة اللبنانية.
– ميثاق الطائف 1989 في ما يتعلق بانضمام الميليشيات إلى مركزية الدولة.
– ثورة الأرز على إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وموكبه في 14/2/2005 حيث أكثر من مليون لبناني اقتحموا بعفوية ساحة الشهداء ولم يعد بإمكان أي عنصر لجيش الأسد الجلوس على قارعة الرصيف.
لبنان حاليًا في مرحلة سابقة (وأخيرة؟) في استعادة الدولة.
ثانيًا: اغتيال الدولة اللبنانية Etatcide: حصل اغتيال الدولة اللبنانية في مرحلتين تاريخيتين: اتفاقية القاهرة تاريخ 3/11/1969 والتي أُلغيت في المجلس النيابي في 21/5/1987، ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 ليس دفاعًا عن قضية فلسطينية محقّة، بل للوصول إلى رئاسة لبنان من دون دولة!
تبيّن مراجعة المواقف في مراحل النزاع بشأن مشروعية المقاومة الفلسطينية المسلّحة قبل اتفاقية القاهرة سنة 1969 إدراك لبنانيين لسيادة الدولة وكأنها مجرد ديكور! تتوزع المواقف بين إطلاقية المقاومة الفلسطينية المسلّحة، أو التنسيق مع الجيش اللبناني، أو الرفض المطلق حرصًا على السيادة واتفاقية الهدنة.
إن مصطلح المقاومة الوطنية وليس الفئوية ملوث أساسًا في الإدراك، في حين أن التوصيف الرسمي للمقاومة ورد بوضوح في اجتماع وزير خارجية لبنان فارس بويز مع الجنرال تروند فورهوفد قائد القوة الدولية في جنوب لبنان في 3/8/1991، يرافقه المستشار السياسي لقيادة القوة الدولية نيقولاي كولوف وعدد من الضباط الدوليين (ظافر الحسن، الدبلوماسية اللبنانية: معايشة شخصية، دار النهار، 2011،10 أجزاء، المجلد 5،
ص 191-193.
ثالثًا: مثاقفة الدولة: يتمظهر ادراك سلطوي واستعماري للدولة على نمط بعض الأنظمة العربية المجاورة في تكرار المقولة التالية لدولة رديفة في لبنان: عندما تصبح الدولة قوية نسلّم سلاحنا! إن الدولة القوية بذاتها كشقة مفروشة مع مفاتيحها، وليس بدعم الناس لها أي بشرعيتها الاجتماعية légitimité، هي دولة مستعمرة وباب عال ومن صنع الآخرين!
تجد تفصيلا التلوث والضبابية في مفهوم الدولة في كتب التاريخ حيث يرد في كتاب مدرسي تعابير بشأن الدولة: “انضمام”، “استولى”، “أسس”، “زالت دولة المماليك”… مع تجاهل السياق الأنتروبولوجي في نشوء الدولة وليس النظام أو الحكم!
يوجد في العالم اليوم أكثر من ثلاثين دولة مساحتها أقل من مساحة لبنان. ليست طبعًا كما لبنان في جوار عدائي أو قيد التحوّل الديمقراطي. تحافظ هذه الدول الصغيرة المساحة على ذاتها من خلال شرعيتها. هل بالإمكان نجاح تنظيم مسلّح في احتلال الفاتيكان (5.44 ك2)؟ أو احتلال موناكو (2 ك2)، أو Nauru أو Tuvalu (26 كم2)، أو Saint-Marin (61 كم2 )…؟
إن اعتبار الانضمام إلى الدولة، كما حصل في مراحل تاريخية لبنانية عديدة، هزيمة أو انتصارًا، يُعبّر عن ذهنية قبلية، أو بالأحرى ما قبل القبلية، تعود جذورها إلى رواسب شيعية سياسية ورواسب مارونية سياسية.
ليست إشكالية ثقافة الدولة في لبنان سياسية في جوهرها كما هو مطروح غالبًا، بل تعود جذورها إلى علم النفس التاريخي والعيادي psychohistoire وإلى استمرارية ذهنية قبلية أو بالأحرى قبل القبلية. تتطلب المعالجة تأريخًا علميًا وواقعيًا في آن ومراجعة جذرية في التعليم في كليات قانون- ولا نقول حقوق – حيث ينقل إلى الطلاب “أن الدولة هي أرض وشعب ومؤسسات”! هذا تحديد للأمة. إن قبضاي الضيعة لديه أيضًا أرض وأزلام ومؤسسات لاستتباع الرعايا.
وتتطلب دولنة المواطنية اللبنانية مراجعة ذهنية بالعمق لمقولات ببغائية حول “الطائفية”. إنه تعبير شعبي يستعمله ميشال شيحا بين مزدوجين! تتصف الديمقراطية أساسًا بتعددية الانتماءات في المجتمع والقبول بهذه التعددية وإدارتها الحقوقية المعيارية في إطار الدولة في سياق ولاء فوقي للدولة supra-allégeance، يعلو على الانتماءات الأولية والتي هي مشروعة. إن مجموعة أفراد لا يشكلون مجتمعًا. ما يجعلهم مجتمعًا خضوعهم لعقد اجتماعي مشترك.






