يضع لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع ممثلين إيرانيين في الأمم المتحدة العلاقة مع طهران في إطارها الصحيح. المسألة ليست مجاملة دبلوماسية ولا لقاءً بروتوكولياً عابراً. إذا كانت إيران تريد فعلاً علاقات طبيعية مع بيروت، فعليها أن تسمع شرطين واضحين: وقف الدعم المالي والعسكري لحزب الله، وإبعاد لبنان عن أي مفاوضات إيرانية-أميركية.
لبنان ليس بنداً في دفتر حسابات طهران مع واشنطن، ولا ورقة تُستخدم على طاولة التفاوض بينهما. ووزير الخارجية يوسف رجي قالها بوضوح: القرارات التي تخص لبنان هي ملك للبنان وحده.
هذا الموقف ليس عداءً عبثياً لإيران، بل دفاع عن سيادة دولة دفعت بيئتها الشيعية ثمناً باهظاً لمشروع لم يحمها. حزب الله أدخلها في حروب عبثية، فدُمرت عشرات البلدات، وشُرّد أهلها، وخسر كثيرون بيوتهم وأرزاقهم. إيران موّلت ووجّهت، ثم انشغلت بأزماتها وحساباتها الخاصة.
ومن يريد اليوم إعادة بناء علاقة طبيعية مع لبنان، عليه أولاً أن يوقف تدفق السلاح والمال إلى ميليشيا تعمل خارج مؤسسات الدولة، لا أن يعيد إنتاج الوصاية نفسها بواجهة دبلوماسية جديدة.
والقرض الحسن جزء من الصورة نفسها.
حان الوقت لقول ما يُناقش علناً: هذه المنظومة لم تُبنَ أساساً لتوفير الأمان الاقتصادي للطائفة الشيعية، بل لضمان استمرار الحزب وتعزيز نفوذه. أموال الناس وُظفت في خدمة تنظيم مسلح أكثر مما وُظفت في حماية أرزاق العائلات ومستقبلها. وعندما تضيق الموارد وتتأخر التعويضات، يظهر بوضوح الفرق بين شبكة هدفها رعاية الناس، وشبكة هدفها الحفاظ على النفوذ.
أما حادثة العلم الإيراني في حومين الفوقا، فهي أكبر من مجرد خلاف على قطعة قماش. هي تعبير عن مزاج موجود داخل البيئة الشيعية يرفض أن يبقى مصيره مربوطاً بطهران.
الناس الذين دفعوا ثمن النزوح والدمار والركام لا يريدون أن يروا فوق قراهم علم دولة شاركت في رسم مسار الحرب، بينما بقيت فاتورة الإعمار على اللبنانيين أنفسهم.
وإذا جاءت إحياءات ذكرى حسن نصر الله بحضور رسمي وأمني ضعيف أو غائب، فإن الرسالة هنا سياسية أكثر مما هي بروتوكولية. هذا الغياب يكشف حجم العزلة التي صنعها الحزب لنفسه بعدما رفض السير في مسار الدولة وحصر السلاح بيدها.
حسن نصر الله أمضى سنوات يحاول إدخال الحزب في المعادلة اللبنانية، وبناء التحالفات، وفتح قنوات مع القوى السياسية المختلفة. أما نعيم قاسم، ففي فترة قصيرة، فقد جزءاً كبيراً مما بُني: خسائر، وانغلاق، وقطيعة متزايدة مع منطق الدولة ومؤسساتها.
لكن عزلة الحزب لا تعني عزلة الطائفة الشيعية.
الشيعة ليسوا ملحقاً بتنظيم، ولا امتداداً لطهران. هم لبنانيون، ومن حقهم أن يطالبوا بحقوقهم من داخل دولتهم، وأن يكونوا جزءاً من جيشها ومؤسساتها، لأن الدولة هي الجهة الوحيدة التي يفترض ألا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تحميه.
لا يمكن بناء علاقات طبيعية مع دولة تستمر في تمويل سلاح موجود فوق الدولة اللبنانية.
ولا يمكن القبول بأن يُكتب مصير لبنان داخل غرف تفاوض لا يكون لبنان فيها طرفاً، بل مجرد ساحة أو ورقة تُستخدم بين الآخرين.
القرار اللبناني يجب أن يبقى لبنانياً، لكن هذه ليست معركة طائفة ضد طائفة، ولا منطقة ضد منطقة، ولا دعوة إلى عزل أحد أو إقصائه. إنها دعوة إلى استعادة فكرة لبنان نفسها: دولة واحدة يتساوى أمامها الجميع، وجيش واحد يحمي الجميع، ومؤسسات لا تكون ملكاً لفريق ولا ساحة نفوذ للخارج.
لبنان لن يُبنى بانتصار طائفة على أخرى، ولا بخسارة الشيعة أو المسيحيين أو السنة أو الدروز. يُبنى عندما يشعر ابن الجنوب كما يشعر ابن الشمال والبقاع وبيروت والجبل بأن هذه الدولة دولته، وأن أمنه ليس أقل أهمية من أمن غيره، وأن دمه وبيته ومستقبله لا يمكن أن تكون أوراقاً في أي صراع خارجي.
المطلوب اليوم ليس نقل الشيعة من محور إلى محور، بل إعادتهم، مع كل اللبنانيين، إلى مكانهم الطبيعي: داخل وطنهم ودولتهم.
لا نريد لبناناً ينتصر فيه فريق ويُهزم آخر. نريد لبناناً لا يحتاج فيه أي مواطن إلى حزب مسلح أو سفارة أجنبية كي يشعر بالأمان.
لبنان واحد، وشعبه واحد في الحقوق والمسؤوليات، ومصيره لا يجب أن يُكتب في طهران أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى.
يُكتب هنا، في بيروت والجنوب والبقاع والشمال والجبل، بأيدي اللبنانيين أنفسهم.
وهذه هي المعركة التي تستحق أن يجتمع عليها الجميع: أن نستعيد دولة لا يكون فيها أحد أقوى منها، ولا يشعر فيها أحد بأنه أضعف من غيره.






