مع أن المعطيات والمعلومات التي أسفرت عنها حركة سياسية وديبلوماسية ناشطة في مطلع الأسبوع، رجّحت الاتّجاه إلى تمديد تفاهم اتفاق وقف النار الموقت بين لبنان وإسرائيل بعد انتهاء مهلة العشرة أيام التي تحدده، كما ترجح المضي إلى إنجاز الترتيبات لمفاوضات لبنانية إسرائيلية برعاية أميركية بعد الاتفاق على صيغة الوفود والمفاوضة ومستواها ومكان التفاوض، فإن الوقائع الميدانية التي تطبع الهدنة الهشّة والمعرّضة للانهيار في أي لحظة دفعت إلى صدارة الأولويات الواقع الذي يحدثه احتلال إسرائيل لأكثر من 55 بلدة وقرية جنوبية، والذي من شأنه أن يشكّل الدافع الأشدّ الحاحاً للدولة اللبنانية للمضي في خيار المفاوضات وإسقاط السردية العبثية لـ”حزب الله” وعدّة الترويج لها عبر منظومة التخوين والتهديد، بعدما استدرجت حرب إسناده لإيران ما سيشكّل أسوأ التجارب الاحتلالية للجنوب إطلاقاً. ذلك إن أربعة أيام من مهلة الهدنة أسفرت عن انكشاف المخطّط الإسرائيلي للمنطقة العازلة أو منطقة الخط الأصفر بحيث يواجه لبنان عبرها أخطر تفريغ منهجي للبلدات المحتلة من السكان، كما تتعرّض لتدمير شامل للمنازل لا يبقي إلا على جبال ركام. بذلك يتنامى يوماً بعد يوم استنساخ الإجراءات الإسرائيلية في غزة، الأمر الذي يعني إقامة منطقة عازلة بلا أفق زمني محدّد لأن انسحاب اسرائيل من هذه المنطقة لن يكون مضموناً قبل نهاية المفاوضات المزمع إجراؤها وتعرّضها الحتمي لأفخاخ رحلة التفاوض. كما أن التدمير المنهجي للمنازل يثير معضلة كارثية تتصل باستحالة عودة أبناء البلدات المدمرة قبل سنين طويلة. وإذ عمدت إسرائيل إلى تصنيف المنطقة الحدودية بين ثلاث فئات، اتّخذت إجراءات التفريغ السكاني وتدمير البلدات دلالاتها الخطيرة الجديدة مع توجيه الجيش الإسرائيلي إنذاراً جديداً للجنوبيين من شأنه أن يفرغ ويشلّ البلدات الخاضعة للاحتلال المباشر وبلدات أخرى ليست محتلة لكنها تحت سيطرة نار الجيش الإسرائيلي. وقد أدرجت ما بين نحو 55 بلدة تخضع للاحتلال المباشر وعشرات سواها تعتبر تحت السيطرة النارية للجيش الإسرائيلي في خريطة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وهي إجراءات لم يعتمد مثلها في الاجتياحات الإسرائيلية السابقة لجهة التفريغ السكاني والتدمير العمراني وجعل المناطق المحتلة خاوية تماماً وأرضاً محروقة.
ويشير العميد المتقاعد خليل الجميل لـ”النهار” إلى أنّ خط الدفاع الأمامي الذي تحدث عنه الجيش الإسرائيلي كخط دفاع أمامي هي بلدات تقع تحت النار الإسرائيلية، لكن لا وجود للقوات الإسرائيلية فيها، وبالتالي، فإنّ أدرعي طالب المواطنين بـعدم التحرك جنوب خط هذه القرى ومحيطها، وهي، مزرعة بيوت السياد، مجدل زون، زبقين، ياطر، صربين، حداثا، بيت حانون، شقرا، مجدل سلم، قبريخا، فرون، زوطر الغربية، يحمر الشقيف، أرنون، دير ميماس، مرجعيون، أبل السقي، الماري، كفرشوبا، عين قنيا، وعين عطا.
وإلى عمليات تفجير المنازل ظلّت الهدنة تتعرض لاختراقات متواصلة، فأغار الطيران الحربي الإسرائيلي على بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل ونفّذ الجيش الإسرائيلي عملية نسف في بلدة القنطرة – قضاء مرجعيون، كما نفذ تفجيراً في بلدة الطيبة، وأفيد عن عمليات تفخيخ وتفجير مستمرة للمنازل في مدينة بنت جييل، وعصر أمس أفيد عن غارة إسرائيلية استهدفت سيارة على قعقعية الجسر وسقوط 3 إصابات.
وإذ برزت مخاوف جدية على اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي أبرمه لبنان وإسرائيل، أوضح وزير الطاقة جو صدي أن “الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي والتي تُظهر “منطقة الدفاع البحري المتقدم” الممتدة من الساحل اللبناني إلى البحر لا تؤثر على الحدود البحرية المتفق عليها بين الجانبين في 2022. وأضاف في حديث لـ”رويترز” أن الخريطة من وجهة نظر قانونية لا تغيّر أي شيء من الحقائق التي أرساها اتفاق ترسيم الحدود البحرية، مؤكداً أن الاتفاق لا يزال سارياً ولا يوجد أي تغيير.
أما على المسار الديبلوماسي، فبرزت أمس معطيات تستبعد عقد أي لقاء في المدى المنظور يجمع في البيت الابيض رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ يبدو أن الاتصالات التي استؤنفت أمس مع عودة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى بيروت تنحو في اتجاه ترتيب زيارة للرئيس عون إلى واشنطن قريباً ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منفرداً بعد إقناع الجانب الأميركي بوجهة نظر الحكم المتحفّظة عن لقاء نتنياهو في هذه المرحلة وقبل إنجاز المفاوضات المباشرة. كما أن وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن لقاءً جديداً بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن سيعقد الخميس المقبل، فيما برز إعلان الرئيس عون على نحو حاسم أن وفد لبنان المفاوض سيكون برئاسة السفير السابق سيمون كرم. والتقى عون أمس السفير عيسى وعرض معه الاتصالات بينه وبين الرئيس ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو. كما تناول البحث مرحلة ما بعد الاجتماع الذي عقد في وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي والسبل الآيلة للمحافظة على وقف إطلاق النار. وأفاد مصدر رسمي أن البحث في الجولة الثانية بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن ستتركز حصراً على وقف النار.
وعلى وقع رفض الثنائي الشيعي خيار المفاوضات المباشرة، التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري أيضاً السفير الأميركي. وفي السياق، كشف بري وجود مسعى تقوم به واشنطن لتمديد وقف النار، رافضاً الإفصاح عن موقفه من عملية التفاوض المباشر مع إسرائيل التي يخطط لها رئيس الجمهورية.
وسط هذه الأجواء، غادر رئيس الحكومة نواف سلام بيروت متوجهاً إلى لوكسمبورغ للقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اليوم بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، حيث سيطلعهم على تفاصيل الوضع اللبناني. ويزور سلام لاحقاً قصر الاليزيه حيث يستقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الخامسة والنصف عصر اليوم ويعقد معه لقاءً ثنائياً يليه مؤتمر صحافي.
– النهار –


