عبدالله قمح – المدن
“القلوب المليانة” التي ولدها قرار مجلس الوزراء بزيادة الضرائب بشكل وُصف بالعشوائي وغير المدروس، انفجرت شرارتها في الشارع. على جسر الرينغ، ومحيط جسر الكولا، وأسفل جسر مثلث خلدة، عادت المشاهد نفسها التي طبعت يوميات انتفاضة 17 تشرين 2019، لتطرح سؤالاً مشروعاً: هل قاد تهوّر الحكومة إلى تدشين مرحلة جديدة من التأزيم الشعبي عنوانه الشارع؟
في الواقع، هذا ما كانت تخشاه بعض الأجهزة الأمنية. فقبل أسابيع، أعدّ أحدها تقريراً تناول حالات احتقان شعبي متراكمة، ناتجة عن التضخم والغلاء، مقرونة باختناق سياسي وشعبي، جزء منه مرتبط بملفات ذات بعد سياسي كالانتخابات وسلاح الحزب ومفاعيل الحرب الإسرائيلية الاخيرة، وآخر بنزاعات سياسية داخلية تتولد تحت هذه الشعارات وتنمو فوقها، وثالث بتداعيات ملف الوجود السوري. التقرير حذّر من أن شرارة واحدة في ملف محدد قد تنعكس على ملفات أخرى فتأثر عليها تباعاً، ما يفتح الباب أمام تحركات في الشارع. كما لم يُغفل عاملاً أساسياً مرتبطاً بمصير الانتخابات وما قد يترتب على أي تأجيل لها.
الجهاز نفسه جدّد تحذيراته عبر القنوات المعتمدة أمس، معبّراً عن خشية من تحركات اعتراضية نتيجة القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء لاسيما تحديد ضريبة على المحروقات قيمتها 300 ألف ليرة لبنانية وفرض زيادة قدرها 1٪ على الضريبة على القيمة المضافة لتصبح 12٪، لا سيما مع رصد نشاطات وتحركات تحضيرية عبر صفحات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي روجت بأن مفاعيل الزيارة ستبدأ فوراً في الشق المتعلق بالمحروقات. وبالفعل، بدأت منذ ظهر الثلاثاء دعوات جدية للتجمع مع البدء بجباية الضريبة تحت عناوين رفض فرض ضرائب جديدة على المواطنين.
شبح 17 تشرين
ما جرى على طاولة مجلس الوزراء من إقرار ضرائب جديدة، بعد نقاشات مكثفة امتدت حتى منتصف الليل، أعاد إلى الأذهان تجربة 17 تشرين 2019، حين فجّرت ضريبة الستة دولارات على خدمة “واتساب” الشارع اللبناني. وزراء داخل الجلسة حذّروا من تشابه الظروف بين الأمس واليوم، معتبرين أن تجاهل العوامل النفسية والاجتماعية قد يقود إلى السيناريو نفسه. غير أن الحكومة مضت في خيارها، بذريعة غياب بدائل مالية وعدم قدرة وزارة المال على توفير اعتمادات خارج إطار الضرائب، ما قاد إلى اعتراض وزراء حزب الله والقوات اللبنانية، كل لأسبابه.
أحد الوزراء قال لـِ “المدن” إن الضريبة المفروضة على البنزين والمحروقات (باستثناء المازوت)، والمقدّرة بنحو 3.35 دولارات للصفيحة، قد توفّر قرابة مليون ونصف مليون دولار يومياً، استناداً إلى تقديرات تشير إلى أن الاستهلاك اليومي يتراوح بين 425 و450 ألف صفيحة. ما يعني أن العائد السنوي قد يتراوح بين 500 و550 مليون دولار. في المقابل، تمنح الحكومة زيادة على الرواتب بقيمة تتراوح بين 165 و200 دولار للفرد، ثم تستعيدها عبر الضرائب والزيادات، وربما بأكثر منها. برأي الوزير، «تخدع الحكومة نفسها والناس»، وتفتح الباب أمام موجة تضخم مالي وسياسي غير مسبوقة، مع ما قد يرافق ذلك من ضغوط على استقرار سعر صرف الليرة واصفا ما يجري بـ”رشوة انتخابية تحمل ذات ابعاد رشوة سلسلة الرتب والرواتب” التي مضت اليها الحكومة عشية استحقاق 2018 النيابي.
خطة حصر السلاح: بين النظرية والواقع
بموازاة الملف المالي، برز بند لا يقل حساسية، مع عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطته للانتقال إلى المرحلة الثانية من مشروع حصر السلاح بيد الدولة. وبحسب المعطيات، قسمت قيادة الجيش خطواتها جغرافياً شمالي الليطاني إلى مجموعة محطات، ما كشف منها أمس حدد رقعة عمل تبدأ من شمال مجرى نهر الليطاني وصولًا إلى جنوب نهر الأولي.
غير أن الخطة، كما عُرضت، خلت من آليات تنفيذ تفصيلية واضحة، وربطت التطبيق بعاملين أساسيين: توفير مناخ سياسي ملائم، وتأمين المتطلبات التقنية واللوجستية. عملياً، رمى الجيش الكرة في ملعب السلطة السياسية، سواء لناحية تأمين الغطاء الداخلي، أو عبر حشد الدعم الدولي في المؤتمر المرتقب لدعم الجيش في باريس مطلع الشهر المقبل. وما فهم، أن ما جاء أمس كان أشبه بمقايضة، على مبدأ أن نجاح تطبيق الخطة مرهون بتوفير ظروفها، حيث وضع الجيش الدولة أمام مسؤولياتها.
مسألة المهل الزمنية بدت بدورها إشكالية. فالقيادة قدّرت فترة التنفيذ بين أربعة وثمانية أشهر، لكنها ربطت ذلك بتوافر الظروف المناسبة، وهو ما لا يبدو متحققاً بالكامل نتيجة اختلاف الظروف مع التطبيق جنوب الليطاني والذي توفر بغطاء سياسي. من هنا يمكن الاستخلاص أن بلوغ الخطة وفر ظروفاً للسلطة بأن تفعل النقاش حول ضرورة مقاربة شاملة كمخرج تحت عنوان “الاستراتيجية الدفاعية” التي تؤمن إطاراً سياسياً واضحاً لتحرك الجيش.
تحديات تقنية وبشرية
تقنياً، تشير مصادر متابعة إلى أن الانتقال للعمل في المنطقة المحددة وفق خطة الجيش سيبدأ على شكل إنجاز عمليات استطلاع وفحص ميداني دقيق للمواقع. غير أن غياب المعطيات المرجعية، في ظل قرار بعدم التعاون من جانب حزب الله بصفته معنياً ويمتلك داتا المعلومات، يفرض على الجيش الاعتماد على البحث الذاتي أو آليات بديلة، مع حديث عن إمكان توسيع نطاق آلية التنسيق اليومية عبر الميكانيزم المعتمد جنوب الليطاني ليشمل شماله.
لكن التحدي الأبرز يبقى بشرياً ولوجستياً. فالمساحة الواقعة بين الليطاني والأولي تفوق من حيث النطاق مثيلتها جنوب النهر، حيث ينتشر هناك نحو 12 ألف عسكري لبناني. في المقابل، لا يتجاوز عديد الجيش في أقصى تقدير شمال الليطاني 3000 عنصر، موزعين على نقاط ثابتة وحواجز في رقعة واسعة. أي انتقال فعلي إلى شمال النهر يتطلب إما تعزيزات من مناطق أخرى، وهو خيار محفوف بتحديات أمنية نظراً لتطورات الوضع عند الحدود الشمالية والشرقية والبقاع، أو فتح باب تطويع واسع، وهذا ما يحتاج إلى وقت وأموال وتجهيزات غير متوافرة حالياً.
في المحصلة، تبدو البلاد أمام تقاطع مسارين: مسار مالي ضاغط يهدد بإعادة الشارع إلى نقطة الغليان، ومسار أمني – سياسي معقد يتطلب توافقاً داخلياً ودعماً خارجياً. وبين الاثنين، يبقى السؤال: هل تملك السلطة القدرة على إدارة هذا التوازن الدقيق، أم أنها أمام احتمالات انفجار متعددة الجوانب؟ هنا يمكن استحضار تغريدة توم براك الشهيرة التي حذر خلالها من أن تأجيل الانتخابات قد يقود إلى شغب في الشارع واستيلاد ما يشبه 17 تشرين 2019.


