عبدالله قمح – المدن
خلال أسابيع قليلة، ستُسلِّم شركة «توتال إنيرجيز» البلوك الرقم 9 – الذي صُنِّف في مرحلة سابقة واعداً – إلى الدولة اللبنانية ممثَّلة بوزارة الطاقة والمياه. القرار نابع من أن الشركة صنفت البلوك اللبناني على أنه “دون جدوى إقتصادية” لتخرج منه، تماماً كما دخلته، بخفّي حُنين. وتقول الشركة أنها أنفقت أكثر من 300 مليون دولار على عملياتها في لبنان دون جدوى! على أي حال، يستعيد لبنان حقه في إعادة طرح البلوك ضمن دورة تراخيص رابعة جديدة، وتشير معلومات «المدن» إلى أن التحضير لإطلاقها جارٍ في موعدٍ أقصاه الصيف المقبل. ومن المتوقع أن تشمل هذه الدورة، إلى جانب البلوكين 4 و9 اللذين تخلّت عنهما «توتال» بذريعة غياب الكميات التجارية، بلوكات إضافية تقع قبالة الساحل السوري.
سنوات من الانتظار الإضافي
عملياً، لا يعني هذا التطور سوى أمر واحد، عودة حقل قانا إلى نقطة الصفر. فالحقل الذي سُوِّق له يوماً على أنه مثالي، تحوّل اليوم إلى مجرد «موقع» يحمل الرقم31/1. هيكل شبه ميت، سيعود إلى عهدة الدولة اللبنانية بانتظار إعادة إطلاق المسار من جديد. مسار يبدأ بدورة تراخيص، يليه انتظار عروض الشركات، ثم سنوات إضافية من الإجراءات البيروقراطية المملة، كإعداد الرخص، دراسات الأثر البيئي، مراجعة بيانات المسوحات الزلزالية، تحليل نتائج الحفر السابقة، ثم انتظار توفر سفينة حفر واستئجارها وتحديد موعد للإبحار، وصولًا إلى الحفر الفعلي وترقّب نتائجه.
في أفضل الأحوال، نحن أمام خمس سنوات إضافية -وربما أكثر- للأجابة على سؤال وأحد: “في غاز أو ما في..؟!”، هذا إذا لم تُقدِم «توتال» مجدداً على إعادة الإمساك بالبلوك 9 عبر الضغوط والتحايل، كما فعلت سابقاً – وتفعل حالياً- في البلوك 8، الذي تخلّت عنه ثم خاضت معركة مفتوحة للعودة إليه.
في هذا السياق، يبرز سؤال بديهي: لماذا لم تُقدم الدولة اللبنانية حتى الآن على مقاضاة «توتال»؟ أولًا، بسبب تأخيرها تسليم نتائج الحفر في البلوك 9 لسنوات طويلة. وثانياً، بسبب إضرارها المباشر بمستقبل الاستكشافات الغازية في لبنان، نتيجة سلوك متقلّب يفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية والاستقرار. الجواب بسيط، وهو أن الدولة، لم تعثر على شريك آخر غير الشركة الفرنسية / الأميركية، وحيث باتت خياراتها محدودة، ولأنها تعتقد، أنه في طل التأثير الأميركي / الفرنسي داخلياً، يصبح من الأفضل البقاء على التعاملات مع “توتال”.
لا استكشافات قبل 2030
سلوك «توتال» يزداد غرابة عند مقارنته بحجم الشركة وانتشارها العالمي. فهي شركة تمتلك بواخر تنقيب وحفر، وتعمل في مناطق متعددة ولديها مشاريع كثيرة، وحققت اكتشافات حديثة واعدة في إفريقيا، لكنها تعجز – وفق روايتها – عن تحقيق أي اكتشاف حقيقي في لبنان. ومع ذلك، تصرّ في المقابل على إبقاء البلوكات اللبنانية ضمن محفظتها بأي وسيلة ممكنة، حتى في ظل إعلانها عدم وجود جدوى تجارية.
التفسير الأقرب لهذا السلوك بسيط، ويتصل بتقارير الشركة نفسها التي تشير بوضوح إلى أوان غاز منطقة شرق المتوسط -بإستثناء غاز إسرائيل- لم يحن بعد، وسط تقديرات تميل إلى أن أي إكتشاف حقيقي غير مسموحاً به قبل حلول العام 2030. وبعيداً عن الأسباب السياسية أو تلك التي تهدف إلى وضع إسرائيل في مقدمة مورّدي الغاز في المنطقة، هناك سبب تقني مباشر يرتبط في الإبقاء على كميات الغاز الحالي ضمن سقف معقول كنوع من ضبط الأسعار.
محاولة متجددة لاستقطاب شركات
في المقابل، تحاول الحكومة اللبنانية تسريع المسار. فقد رفعت هيئة إدارة قطاع البترول مقترحاً إلى وزير الطاقة جو صدي يقضي بتخفيض شرط التأمين المالي المطلوب لدخول دورات التراخيص من 10 مليارات دولار إلى مليار واحد، بهدف استقطاب شركات صغيرة ومتوسطة الحجم. غير أن الاعتقاد السائد لا يزال أن العقبة الأساسية سياسية بالدرجة الأولى، لا تقنية أو مالية.
ورغم ذلك، يُتوقع أن يساهم هذا الإجراء – ولو جزئياً – في رفع مستوى الاهتمام، إذ إن الشركات الصغيرة والمتوسطة تبحث عادة عن مناطق جديدة لدخولها، رغبة منها في تحقيق إستكشاف يرفع من تصنيفها ويؤدي إلى دخولها كشريك فاعل مع شركات كبرى، كما أن مقاربتها للمخاطر تختلف عن الشركات العملاقة التي تحصر استثماراتها في جغرافيات مستقرة سلفاً ولديها محفظة واسعة من الخيارات.
حتى اللحظة، لا يزال المقترح قيد الدرس، وسط مؤشرات إيجابية لإقراره. وبالتوازي، ومع عودة «توتال» وشركائها إلى العمل في البلوك 8 بعد “تهشيل” الحكومة -بدافع قوي من الشركة الفرنسية- لشركة المسح النروجية TGS الحاصلة على رخصة بمسح زلزالي ثلاثي الأبعد لـ1200 كلم من البلوك المذكور، تسعى الدولة اللبنانية لمحاولة توفير إتفاق سريع مع «توتال» يشترط انجاز المسح الزلزالي الثلاثي خلال عام واحد. خطوة قد تمنح الدولة ورقة لدفع الشركة إلى تقديم مواعيد الحفر الاستكشافي، وإن بقي ذلك غير مضمون في ضوء سجل «توتال» الحافل بالمماطلة.
غير أن هذا المشهد يتقاطع مع تحولات إقليمية أوسع. فرغم بقاء مستوى المخاطر مرتفعاً في المياه اللبنانية -بحسب بيانات شركات التأمين العالمية- إلا أن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة أضعفت حجج شركات التأمين، خصوصاً إن شركات عالمية تعمل أصلاً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تواصل إسرائيل عمليات الاستكشاف والتطوير دون عوائق، وحيث أنه وخلال فترات التصعيد الأخيرة، بقيت حقول الغاز في منأى عن أي إستهداف حقيقي.
كونسورتيوم معدل؟
هنا، يتقدّم بوضوح المشروع الإسرائيلي الذي تحاول تل أبيب، بدعم أميركي، دفع لبنان إليه تحت عنوان «التعاون الاقتصادي». وهو ما ظهر جلياً في جلسات التفاوض المدني تحت سقف «الميكانيزم»، سيما بعد ما نقل عن الدبلوماسي والمفاوض اللبناني سيمون كرم، مشيراً إلى أن إسرائيل تطرح شروطاً قاسية لا يمكن للبنان القبول بها.من المحتمل تلك “الطروحات الخطيرة” تتمثل في جزء منها بمستقبل قطاع الغاز اللبناني ورغبة إسرائيل دخوله من بوابة “تعاون تجاري مزعوم” يريطه بمنتدى شرق المتوسط للغاز، على أن يتولى كونسورتيوم من الشركات العالمية ضمان الحقول اللبنانية لأطول فترة ممكنة، تمهيداً لتحويلها لاحقاً إلى منصة تعاون مع إسرائيل، ولا سيما أن بعض الهياكل الجيولوجية داخل المياه اللبنانية يُحتمل اتصالها بتكوينات مماثلة في الجزء المحتل من الحدود.الأخطر من ذلك، ما يُحضَّر لتعديل بنيوي في تركيبة الكونسورتيوم الحالي المؤلف إلى جانب “توتال”، بـ”إيني” الإيطالية و “قطر للطاقة، عبر استبدال الأخيرة بشريك يتردد أنه إماراتي، ما يمهد لإدخال الفرع اليوناني–البريطاني من شركة «إنيرجين»، التي تمتلك ذراعاً إسرائيلية ناشطة في تطوير حقول الغاز وأهمها حقل “كاريش”.
تحرّش إسرائيلي بخبراء لبنانيين
في هذا السياق، يتعمد ممثلون عن الشركة الأوروبية الأم لـ«إنيرجين» التحرّش” بنظرائهم اللبنانيين الذين يشاركون عادة في مؤتمرات دولية للطاقة، سواء عبر فتح أحاديث جانبية أو من خلال وسطاء وأصدقاء، قهدف تسويق «استعداد» الشركة للدخول إلى قطاع الطاقة في لبنان، وإبداء الرغبة والقدرة على الاستثمار في قطاع استكشافات الغاز ضمن كونسورتيوم تختاره الدولة اللبنانية. هل تفكير «إنيرجين» ومن خلفها تل أبيب واقعي؟ التجارب تشير إلى توفر “نفس طويل” لا يجب التقليل من أهميته. ما يعزز ذلك جدول الأعمال الإسرائيلي المبني على إحداث فجوة إقتصادية مع لبنان من خلال استغلال برنامج التفاوض الحالي وتعزيزه، تحت مسمى إغراء لبنان بالتعاون الإقتصادي.


