قضية الهجرة من لبنان قديمة وموغلة في التاريخ ومرت في حقبات متعاقبة. فبين العامين 1865 و1916 غادر جبل لبنان نحو 330 ألف مواطن، بما يعرف بـ”الموجة الأولى”، وفقاً لتوثيق “مرصد الأزمة” في الجامعة الأميركية في بيروت. ووصفها المؤرخ والاقتصادي الدكتور بطرس لبكي بأنها هجرة قامت على الفلاحين المسيحيين من الجبل. ثم جاءت الحرب الأهلية (1975–1990)، لتقتلع نحو 990 ألف مواطن، بحسب تقديرات الباحث الأكاديمي المتخصص في شؤون الهجرة الدكتور بول طبر، حيث تحولت الوجهات التقليدية من الأميركيتين إلى دول الخليج وأوروبا، بالتزامن مع نزوح أبناء الجنوب قسراً إثر الاجتياحين الإسرائيليين في العامين 1978 و1982 والاعوام الثلاثة الاخيرة”.
في ما يتعلق بالهجرة في مرحلة ما بعد العام 2019، يصنفها “مرصد الأزمة” كموجة ثالثة كبرى في تاريخ البلاد، وإن اختلفت المدارس البحثية الأخرى في ترقيمها الحسابي. وتحمل هذه المحطة فارقاً مؤلماً: فالأزمات المعيشية وانهيار القدرة الشرائية حوّلت الرحيل إلى خطة نجاة حتمية لا مجرد مغامرة. وحتى الخليج، المنفى الذي ظنّه اللبنانيون مأمناً اقتصاديّاً، تهتزّ استدامة أسواقه اليوم مع تواتر المعطيات عن عودة عشرات الآلاف، ليرتدّ العائد إلى سوق محلية عاجزة عن استيعابه. وفي فرنسا وحدها، أحصى التعداد الرسمي للعام 2022 نحو 49,743 مقيماً مولوداً في لبنان، في حين تتجاوز التقديرات الأوسع للجالية حاجز الـ 210 آلاف؛ وهو تباين يعود أساساً لاختلاف المعايير الإحصائية في تعريف صفة “المغترب” بين القيود الإدارية الرسمية والواقع الديموغرافي.
جمر الهجرة البارد.. باريس مرآة الرحيل
يُقدر الخبير الدولي في شؤون الديموغرافيا والجغرافيا، الدكتور علي فاعور، عدد المهاجرين المولودين في لبنان والمقيمين في فرنسا بـ 49,743 بحسب تعداد 2022، في حين يُقدَّر حجم الجالية اللبنانية الأوسع بنحو 210,000، مع التنبيه إلى أنهما تعريفان مختلفان لا تُحسب نسبة مباشرة بينهما.
يتوزع المهاجرون بين “إيل دو فرانس” بـِ 26,183 (52.6%) وخارجها بـِ 23,560 (47.4%)، فيما الإجمالي الوطني، فرنسا من دون جزيرة مايوت، 49,743. وتتداخل المجالات الجغرافية ولا تُجمع: باريس الكبرى 20,259 (40.7% من الإجمالي الوطني)، وبلدية باريس 8,411 (16.9%)، و58.5% من المقيمين في باريس الكبرى يسكنون خارج بلدية باريس. وداخل “إيل دو فرانس” تتصدر باريس بـِ 8,411، تليها “أوت دو سين” بـِ 7,223، ثم “فال دو مارن” بـِ 3,046، و”إيفلين” بـِ 2,310. وخارجها تأتي “رون” بـِ 2,129، و”بوش دو رون” بـِ 1,837، و”ألب ماريتيم” بـِ 1,743، و”أوت غارون” بـِ 1,213. وتخص هذه الأعداد المهاجرين المولودين في لبنان، ولا تشمل جميع ذوي الأصل اللبناني.
جرى توثيق هذه الأرقام بالاستناد إلى مصدرين آخرين إلى جانب فاعور، هما: المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE، تعداد RP2022، جدول IMG1B، نشر 2025) بالنسبة إلى أعداد المهاجرين المولودين في لبنان وتوزيعهم، ووزارة الخارجية الفرنسية بالنسبة إلى تقدير الجالية الأوسع بنحو 210,000، وقد ورد هذا الرقم أيضاً في تقرير برلماني عام 2016.
الهجرة للأقوياء مالياً والداخل سجن للفقراء!
ويقول فاعور لـِ “المدن”: “أظهر تقييم الفقر المنشور في العام 2024 ارتفاع الفقر النقدي بين اللبنانيين من 11% في العام 2012 إلى 33% في العام 2022، وارتفاع فجوة الفقر من 3% إلى 9.4% ، بما يدلّ إلى اشتداد العوز وتفاقم حدته. وتنحصر النتائج في المناطق التي شملها المسح: عكّار وبيروت والبقاع والشمال ومعظم جبل لبنان”.
ويوضح: “في مقياس مختلف، قدّرت الإسكوا عام 2021 أن الفقر المتعدد الأبعاد طال نحو 77% من الأسر اللبنانية، مقابل 82% من مجموع السكان. ويعكس هذا المؤشر أوجه الحرمان في مجالات متعددة تتضمن التعليم والصحة والسكن والعمل والدخل. وقد أسهمت تحويلات المغتربين في توفير حماية نسبية لبعض اللبنانيين، في حين خفّضت أسر أخرى إنفاقها على الغذاء والصحة، ما يضاعف التباين في القدرة على الصمود”.
العمل والهجرة: انحسار الفرص واستنزاف الكفاءات
ويكشف أن “تضخّم معدل البطالة بين اللبنانيين ارتفع من 12.1% في 2018–2019 إلى 29.6% عام 2023، وفقا لمسح إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية. وهي مقارنة تخصّ تلك المرحلة من الأزمة (الشكل المرفق: مؤشرات سوق العمل في لبنان 2023)”.
وينوّه بأن أحدث دراسة أُجريت في أيار 2026 كشفت مؤشرا جديداً عن أثر النزاع وارتفاع البطالة إلى نسبة 33%”.
الرحيل اللبناني بين الهدوء والعاصفة
وفي السياق عينه، يكشف الباحث محمد شمس الدين أن “مجموع هجرة وسفر اللبنانيين بين العامين 2012 و2025 بلغ نحو 864,174 شخص، لكنّ المسار لم يكن صعوداً متصلاً، بل تعرّج بين ارتفاع وانكماش. فقد بدأت السلسلة بمستويات مرتفعة في 2012 و2013، ثم تراجعت في 2014 و2015 حتى وصلت إلى قاعها في 2016 بنحو 11,650، وهو الأدنى في السلسلة. وبعد ذلك عاد المنحنى يصعد تدريجياً حتى 2019 بنحو 66,806، قبل أن ينهار في 2020 إلى نحو 17,721. ثم ارتد ارتداداً قوياً في 2021، وتراجع قليلاً في 2022، قبل أن يسجل ذروته في 2023 بنحو 180,133، ويظل مرتفعاً في 2024 بنحو 172,728. وفي 2025 تراجع إلى نحو 65,263، لكنه بقي أعلى بكثير من أرقام القاع في منتصف العقد الماضي. والخلاصة أن سنتي 2023 و2024 وحدهما حملتا ما يقارب 41% من المجموع، وأن الأعوام الستة الأخيرة (2020–2025) استحوذت على ما يقارب ثلثي الإجمالي”.
النزيف أكبر من تقرير البنك الدولي
توقع تقرير البنك الدولي الأخير حول “آفاق الاقتصاد الكلي والفقر” زيادة نسبة البطالة في لبنان إلى 15.2% في العام 2026 مقارنة بـِ 12.6% في العام 2025. لكن الباحث محمد شمس الدين يؤكد “أن أرقام الهجرة التي بنى عليها التقرير الدولي حساباته غير صحيحة ولا تطابق الواقع”.
ووفقه “بلغ معدل البطالة 36% في العام 2026، ما يعني أنّ أرقام البنك الدولي بعيدة جداً عن الواقع ولا تعكس الوضع الحقيقي لسوق العمل، إذ يُقدَّر حجم القوى العاملة بنحو 1.6 مليون شخص، من بينهم نحو 570 ألف عاطل من العمل”.
ويضيف: “في ظلّ الأزمات الحالية، لا توجد موجة هجرة جديدة، إذ أُغلقت وجهات الهجرة نتيجة تراجع فرص العمل. فبين العامَين 2012 و2025، بلغ عدد المهاجرين 864 ألفاً، وسُجّل العدد الأعلى في العام 2023، إذ بلغ 184 ألفاً، قبل أن ينخفض إلى 65 ألفاً في العام 2025. وربما يشهد العام الحالي عودة للمهاجرين بدلًا من هجرة جديدة”.
أما بخصوص قوافل العائدين، فيشير إلى أن “التدفقات لا تزال محدودة، بيد أن القلق الخفي من المستقبل هو المحرك الأساسي. اذ إنّ توقّف الهجرة وعودة المهاجرين سيؤديان إلى ارتفاع معدّل البطالة وتراجع السيولة الوافدة من الانتشار اللبناني، ما يضع البلاد أمام واقع صعب، في ظلّ استفادة نحو 250 ألف أسرة من هذه التحويلات”.
ويعتبر شمس الدين أن “المشهد المالي الدولي صعب في مختلف دول العالم، وهو ما ينعكس على اللبنانيين في الخارج، ولا يمكن تحديد مسار الأمور مستقبلًا قبل اتّضاح مسار الحروب ومآلاتها”.






