الديار
حقّق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون انتصارًا دستوريًا بقبول المجلس الدستوري بالإجماع طعنه وإبطال التعديل الذي حذف الالتزام بقانون النقد والتسليف من المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها. وبنتيجة القرار، ثُبّت نفاذ المادة بصيغتها السابقة، وأُعيد الاعتبار للمرجعية القانونية التي تضبط الصلاحيات النقدية والمصرفية، وتحفظ اختصاصات المجلس المركزي وحاكم مصرف لبنان في مواجهة مخاطر التداخل مع صلاحيات الهيئة المصرفية العليا.
والفارق هنا أساسي: الإبطال أصاب المادة الثالثة من القانون رقم 71/2026، فيما بقيت المادة الثالثة من القانون الأصلي رقم 23/2025 نافذة، بما تتضمّنه من التزام بقانون النقد والتسليف. وقد حسم المجلس هذه النقطة صراحة في قراره، مؤكّداً أن التعديل لا يتناول المادة الثالثة من القانون الأصلي. وبذلك سقط حذف المرجعية، وبقي الالتزام بها قائمًا.
وتتقدّم في هذه النتيجة أهمية الدور الذي أدّاه رئيس الجمهورية باختياره المراجعة الدستورية لمعالجة الخلل. فإصدار القانون ثم الطعن في مادة محدّدة منه أتاحا استمرار العمل بسائر أحكامه، مع إخضاع التعديل المختلف عليه لرقابة المجلس الدستوري. وجاء قبول الطعن ليؤكّد أن الاعتراض الرئاسي استند إلى خلل ثابت في مسار إقرار المادة، وأن تصحيحه كان ممكنًا من دون إسقاط القانون برمّته.
أما الأساس الذي بنى عليه المجلس قراره رقم 13/2026، الصادر في 20 تشرين الأول، فكان حاسمًا: تعديل لجنة المال والموازنة سقط بالتصويت، ولم يُطرح بعده أي نص آخر للمادة الثالثة للتصويت. وبالتالي، لم تنل الصيغة الحكومية الأكثرية النيابية التي تسمح باعتبارها مقرّة، مهما قيل لاحقًا عن عودتها تلقائيًا بعد سقوط صيغة اللجنة.
واعتمد المجلس في هذه الخلاصة على مقارنة محضر الجلسة النيابية بالتسجيل الصوتي. وأثبت أنه بعد سقوط اقتراح لجنة المال والموازنة «لم يُتلَ أي نص آخر، ولا جرى التصويت على أي نص عائد للمادة 3»، رغم مطالبة النائب إبراهيم كنعان بذلك صراحة. وسجّل أن رئيس المجلس قطع المناقشة وانتقل إلى المادة الثالثة عشرة، بعدما اعتبر أن التصويت انتهى وأن المادة صُدّقت وفق نص الحكومة.
هنا تحديدًا، يكتسب القرار دلالته في ضوء ما سبق أن قاله رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان لـ«الديار». فقد أكّد أن إسقاط تعديل اللجنة لا يعني إقرار النص الحكومي، وأن محاضر مجلس النواب وتسجيلاته تحسم ما حصل فعلًا. واليوم، جاءت مراجعة المجلس الدستوري لهذه المحاضر والتسجيلات لتثبت صحة هذه الواقعة، بعدما كان الجدل يدور حول وجود التصويت نفسه، وليس حول تفسير نتيجته فحسب.
والأهم أن المجلس تناول أيضًا مسألة التصويت على القانون بكامله، وهي النقطة التي استُخدمت للدفاع عن سلامة إقرار المادة. فخلص إلى أن التصويت الإجمالي جرى على القانون بصيغته الصادرة عن لجنة المال والموازنة، وأن مواده نالت الأكثرية باستثناء المادة الثالثة. وبذلك، حسم أن التصويت على القانون ككل لم يعالج غياب التصويت على صيغة بديلة لهذه المادة، ولم يمنح النص الحكومي موافقة لم يحصل عليها.
ويكتسب سقوط «النص الحكومي» أهميته من موقع قانون النقد والتسليف في تنظيم عمل مصرف لبنان وتحديد مهام مؤسساته. فبقاء الالتزام به ضمن أهداف قانون إصلاح المصارف يحفظ الصلة بين الإصلاح والإطار القانوني الناظم للسياسة النقدية والمصرفية، ويمنع الاستناد إلى حذف هذه المرجعية لتبرير تجاوزها عند تطبيق القانون.
وفي القراءة المؤسسية لهذا الأثر، يحفظ بقاء المرجعية القانونية الأساس الذي يُستند إليه لضبط العلاقة بين المجلس المركزي والهيئة المصرفية العليا، ومنع تضارب الاختصاصات، وصون الصلاحيات التي ينيطها قانون النقد والتسليف بحاكم مصرف لبنان. فقد سقط التعديل الذي كان يُخشى الاستناد إليه لتجاوز هذه المرجعية أو اقتطاع صلاحيات مقرّرة بموجبها. وتبقى ممارسة كل جهة لمهامها محكومة بالنصوص النافذة والحدود التي ترسمها.
وقد تحقّق هذا الأثر بإبطال التعديل لمخالفته أصول التصويت، وهو السبب الذي اعتمده المجلس في حكمه. أما البحث في سبب الطعن القائم على عدم الوضوح في التشريع، فاعتبره غير مجدٍ بعد الإبطال. وعليه، فإن حماية المرجعية والصلاحيات تنبع من استمرار نفاذ النص الأصلي وقانون النقد والتسليف؛ فالقرار لم يُنشئ صلاحيات جديدة ولم يفصل في توزيع الاختصاصات بين المجلس المركزي والهيئة المصرفية العليا.
على هذه الأرضية، يسقط الأساس الوقائعي للحملة التي تعاملت مع إقرار المادة الثالثة كأمر محسوم، وقدّمت الاعتراض عليها باعتباره افتعالًا لمعركة لا موجب لها. فالقرار أثبت أن النص لم ينل الموافقة المطلوبة، وأن اللجوء إلى الرقابة الدستورية صحّح خللًا فعليًا. أما اتهام المراجعة بأنها تستهدف تعطيل الإصلاح، فتواجهه نتيجة واضحة: سائر أحكام القانون باقية، والإبطال أصاب التعديل الذي ثبت الخلل في إقراره.
ولم يقف المجلس عند حدود المادة التي تناولها طعن الرئيس، بل مارس رقابته من تلقاء نفسه على نصوص أخرى في القانون. فأبطل، في المادة التاسعة عشرة، العبارة التي تجيز منع الأشخاص المعنيين من السفر بقرار إداري، مؤكّدًا أن تقييد هذه الحرية يعود إلى مرجع قضائي مستقل وفق ضمانات الدفاع. وأبطل أيضًا، في المادة السابعة والعشرين، عبارة تحصّن موظفي المصرف، في الحالة التي يتناولها النص، من أي إجراء قضائي أو دعوى، حمايةً لحق المتضرّر في اللجوء إلى القضاء.
وتمنح هذه الإبطالات القرار بُعدًا يتجاوز الخلاف على عبارة قانونية. فإصلاح المصارف يبقى خاضعًا للضمانات الدستورية، سواء تعلّق الأمر بأصول التشريع أو بحقوق الأشخاص والمتقاضين. وهي نتيجة تعزّز أهمية المراجعة الرئاسية التي فتحت باب الرقابة، وأفضت إلى تصحيح أحكام من دون تعطيل المسار التشريعي بأكمله.
أثمرت المراجعة التي تقدّم بها رئيس الجمهورية إسقاط التعديل وتثبيت الالتزام بقانون النقد والتسليف، وأثبتت المحاضر صحة ما قيل عن خلل في التصويت. وبعد قرار المجلس، باتت الواقعة التي حاول الجدل تجاوزها واضحة: إسقاط تعديل لجنة المال لا يُقرّ صيغة أخرى تلقائيًا، والقول إن المادة أُقرّت لا يقوم مقام التصويت عليها.






